أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
11
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
زيد تريد : الضرب الذي ضربه زيد ، لم يجز ، فإن قلت : الضرب الذي ضربه زيد جاز . ورد الثاني بأن ما النكرة التي تقع صفة لا يجوز حذف موصوفها لو قلت : قمت ما ، وضربت ما ، وأنت تعني : قمت قياما ما ، وضربت ضربا ما ، لم يجز . الثالث : أن تكون مفعولا بها ب نمكن على المعنى ، لأن معنى مكناهم : أعطيناهم ما لم نعطكم ، ذكره أبو البقاء . قال الشيخ « 1 » : هذا تضمين ، والتضمين لا ينقاس . الرابع : أن تكون ما مصدرية ، والزمان محذوف ، أي مدة ما لم نمكن لكم ، والمعنى : مدة انتفاء التمكين لكم . الخامس : أن تكون نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها ، والعائد محذوف ، أي : شيئا لم نمكنه لكم ، ذكرهما أيضا أبو البقاء . قال الشيخ « 2 » - في الأخير - : وهذا أقرب إلى الصواب . « قلت : ولو قدره أبو البقاء بخاص لكان أحسن من تقديره بلفظ شيء ، فكان يقول : مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم . والضمير في « يَرَوْا » قيل : عائد على المستهزئين ، والخطاب في لكم راجع إليهم أيضا ، فيكون على هذا التفاتا ، فائدته : التعريض بقلة تمكين هؤلاء ، ونقص أحوالهم عن حال أولئك ، ومع تمكينهم وكثرتهم فقد حل بهم الهلاك ، فكيف وأنتم أقل منهم تمكينا وعددا ؟ وقال ابن عطية : والمخاطبة في لكم هي للمؤمنين ولجميع المعاصرين لهم ، ولسائر الناس كافة ، كأنه قيل : ما لم نمكن يا أهل هذا العصر لكم . ويحتمل أن يقدر معنى القول لهؤلاء الكفرة ، كأنه قال : يا محمد قل لهم : ألم يروا كم أهلكنا . . . الآية ، فإذا أخبرت أنك قلت أو أمرت أن يقال ، فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها ، فتجيء بلفظ المخاطبة ، ولك أن تجيء بالمعنى في الألفاظ بالغيبة دون الخطاب » . انتهى . ومثاله : قلت لزيد ما أكرمك ، أو ما أكرمه . والقرن لفظ يقع على معان كثيرة ، فالقرن الأمة من الناس ، سموا بذلك لاقترانهم في مدة من الزمان ، ومنه قوله عليه السّلام : « خير القرون قرني » « 3 » . وقال الشاعر : 1873 - أخبّر أخبار القرون الّتي مضت * أدبّ كأنّي كلّما قمت راكع « 4 » وقال قسّ بن ساعدة : 1874 - في الذّاهبين الأوّلي * ن من القرون لنا بصائر « 5 » وقيل : أصله الارتفاع ، ومنه : قرن الثور وغيره ، فسموا بذلك لارتفاع السن . وقيل : لأن بعضهم يقرن ببعض ويجعل مجتمعا معه ، ومنه القرن للحبل الذي يجمع به بين البعيرين ، ويطلق على المدة من الزمان أيضا . وهل
--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) انظر المصدر السابق . ( 3 ) أخرجه الترمذي ( 2302 ) والخطيب في التاريخ 2 / 53 . ( 4 ) تقدم . ( 5 ) البيت من معجم الشعراء ( 222 ) ، التهذيب واللسان « بصر » البحر ( 4 / 66 ) .